المدينة الفاضلة بيئياً- مدينة مصدر أنموذجا

العدد 112 من مجلة المنبر الجامعي التي تصدرها جامعة الشارقة- دولة الإمارات العربية المتحدة:                https://bit.ly/2MdsAPG

المدينة الفاضلة بيئيا

(مدينة مصدر أنموذجا)

كانت ولا زالت المدينة الفاضلة “يوتوبيا” Utopia حلما للإنسانية جمعاء، وهي تشير لمدينة مثالية يتحقق فيها الخير والسعادة لكل الناس ولا يوجد فيها أثر للشر، ومع ذلك لم تتمكن الإنسانية من تحقيق هذا الحلم  حتى الآن، إذ باءت كل المحاولات على أرض الواقع بالفشل، أحيانا بسبب تحالف قوى الشر والفساد ضد أية محاولة للإصلاح، وأحيانا بسبب عدم واقعية بعض متطلبات هذه المدينة، وأحيانا بسبب ما في هذه المتطلبات من أفكار تتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة لا سيما عند أفلاطون في مدينته التي ظن أنها فاضلة، لذلك يمكن القول بأن المدينة الفاضلة هي تلك الفكرة التي تستدعي إلى الأذهان أحلام الفلاسفة والحكماء منذ “أفلاطون” (428 ق.م- 347 ق.م) حتى “توماس مور”  ( 1478- 1535) وصولا إلى العصر الحديث، ولكل نظريته الخاصة حيال تلك الحياة اليوتوبية المأمولة.

وفكرة المدينة الفاضلة ليست فكرة غربية خالصة، بل هي فكرة لها تاريخ في الفلسفة الإسلامية، لا سيما مع “الفارابي” في القرن الرابع الهجري، ذلك الفيلسوف العربي الملقب “بالمعلم الثاني” الذي كان من أول من تبلور لديه مفهوم متكامل للمدينة الفاضلة من منظور عربي إسلامي، وهو موضوع كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها”، وقد تفوق “الفارابي” المعلم الثاني على “أفلاطون” المعلم الأول الذي اقتصرت رؤيته على تنظيم مدينة فاضلة ضيقة كأثينا وإسبرطة، بينما حلم الآخر باتحاد الأمم كلها، كما أن مدينة الفارابي الفاضلة تتفق مع العقيدة الإسلامية التي تراعي الفطرة الإنسانية السليمة.

والواقع أن اسم “يوتوبيا” ، والذي اطلق على المدينة الفاضلة يوحي باستحالة تحققها على الأرض، فكلمة Utopia هي كلمة إنجليزية  مأخوذة من اللفظ اليوناني (οὐ τόπος) ( او توپوس ) بمعنى “لا مكان”، فكأن المدينة الفاضلة في”لا مكان”، أي أن مكانها غير موجود، إذ ليس في الإمكان تحقيقها علي أرض الواقع، والقديس “توماس مور” هو أول من استخدم هذا اللفظ في كتابه “يوتوبيا” باللاتينية الصادر عام 1516م، وعلى الرغم من وجود فكرة المدينة الفاضلة قبل ذلك التاريخ بزمن طويل، ربما من قبل أفلاطون نفسه، إلا أن هذا المصطلح (Utopia)  أصبح يستخدم للدلالة علي المجتمع المثالي الذي يحلم به بعض المفكرين ويتمنون تحقيقه.

وإذا كانت البشرية قد عجزت عن تحقيق حلم المدينة الفاضلة بمعناها الواسع الشامل على النحو الذي حلم به الفلاسفة والحكماء، فإن ذلك لم يمنع بعض الدول من محاولة تحقيق هذه الحياة المثالية في منحى أو أكثر من مناحي الحياة، والتي منها المدينة المثالية بيئيا أو كما أطلقنا عليها “المدينة الفاضلة بيئيا”، فلا ريب أن ما لا يدرك كله لا يترك جُله، وأن الحق في البيئة النظيفة يعادل الحق في الحياة نظرا للارتباط الكبير بين التدهور البيئي وتعريض الإنسان للخطر والتعدي على حقوقه، وحق الإنسان في بيئة نظيفة هو حق كل إنسان في العيش في بيئة سليمة صحية خالية من التلوث بمختلف أنواعه ولا تحمل أخطاراً صحية تؤثر على حياته، وحقه في التمتع المتوازن الراشد بالموارد الطبيعية بشكل يسمح له بحياة كريمة وتنمية متوازنة بما يضمن له التطور والرفاهية في وئام مع الطبيعة.

وقد احتلّت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة مرموقة في ميدان حماية البيئة، ويكفيها فخرا أنها صاحبة تجربة رائدة في المدن الفاضلة بيئيا من خلال إنشاء مدينة “مصدر” الخالية من الكربون، والتي تعد أحد أكثر المجتمعات الحضرية استدامة في العالم، وتتضمن مجتمعاً متنامياً منخفض الكربون وقائما على التقنيات النظيفة، وتستند فلسفة “مصدر” فيما يتعلق بالتطوير العمراني المستدام على الركائز الثلاث للاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتشكل مدينة مصدر “بصمة خضراء” للتنمية العمرانية المستدامة في المدن، وتقدم حلولا واقعية في مجال المياه وكفاءة استخدام الطاقة والحد من النفايات، ويجسد تصميم المدينة مزيجا متناغما بين فنون العمارة العربية التقليدية والتكنولوجيا العصرية، كما تستفيد من حركة مرور الهواء المنعش فيها لتوفير برودة طبيعية تضمن أجواءً مريحة خلال ارتفاع درجات الحرارة صيفا، وتستفيد مدينة “مصدر” من أشعة الشمس أيضاً، إذ يتم توليد الطاقة  النظيفة باستخدام تكنولوجيا الألواح الشمسية المثبّتة على السطح، فضلاً عن امتلاكها أحد أضخم التجهيزات الكهروضوئية في منطقة الشرق الأوسط، ويعد “معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا” منصة كبرى للابتكار في قلب مدينة “مصدر”؛ وهو جامعة بحثية متخصصة بإيجاد الحلول المتطورة في مجالات الطاقة والاستدامة لتكون دولة الامارات العربية المتحدة رائدة في تقديم نموذج من نماذج حل معضلة الحفاظ على التطور الصناعي والاقتصادي مع أقل ضرر للبيئة، وتكون مدينة “مصدر” هي المدينة الفاضلة بيئيا التي يجدر بكل إنسان أن يحلم بالعيش في مثلها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*