الوعي القانوني للإنسان الرقمي

د/ أحمد عبدالصبور الدلجاوي

الخميس 03 يناير 2019م

في ظل الطفرة الرقمية المتسارعة، ظهر مصطلح “الإنسانالرقمي” الذي يُشير للشخص الذي ولد مع التكنولوجيا الرقمية، وتفاعل معها فيسن مبكرة، وأصبح يستخدم التقنيات الحديثة في الحياة اليومية سواء للدراسة أوالتواصل الاجتماعي أو التسوّق أو الترفيه.

وفي المقابل ظهرَ مصطلح “المهاجر الرقمي” ليَدل على كل من وُلِدَ قبل الثورة التكنولوجية، ولكنه عاصر التكنولوجيا المتقدمة، وآمن بها وأقر بأهميتها وبتأثيرها، ومع تسارع خطى التقنية، فإنه يصعب على المهاجرين الرقميين مجاراة التطورات التكنولوجية وتطبيقاتها المختلفة، وهذا يخلق صراعات بين الأشخاص الرقميين والمهاجرين الرقميين.

 وقد تمخض عن هذا الصراع، ظهور فئة جديدة تُعرف “بالأيتام الرقميين” الذين يفتقرون إلى المهارات الأساسية والخبرات اللازمة للاستفادة من التقنية الرقمية، أو أولئك الذين لا يمتلكون هذه التقنية من الأساس.    

 وتثير مسألة الوعي القانوني للإنسان الرقمي مشاكل عدة، وتنفرد مصادر تشكيل الوعي القانوني للأشخاص الرقميين بالجانب الأكبر من هذه المشكلات.

والوعي القانوني معناه أن يعي الشخص خطاب القانون الموجه إليه، أي يعرفه ويفهمه، ليكون على علم ودراية بمضمون هذا الخطاب، فيعينه ذلك على احترام القانون بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، ومن ثمّ حفظ حقوقه، واحترام حقوق الآخرين، والوعي بهذا المعنى يكون مرادفاً للثقافة وجزءاً منها، لأن الإنسان المثقف هو الذي لدية المعرفة الكافية بكل جانب من جوانب حياته، والمعرفة القانونية جزء من هذه المعرفة العامة.

ولا نقصد بالوعي القانوني مجرد العلم بالقاعدة القانونية، بل يلزم بعد العلم، أن يكون الشخص واعياً بمضمونها، فبدون فهم ووعي القاعدة القانونية، يكون المخاطب بها كمن يحمل من المعارف ما لا يعيه أو يستوعبه، مع التأكيد على أن عدم العلم بالقاعدة القانونية لا يُعد عذراً للتهرب من تطبيقها استناداً إلى المبدأ القانوني القائل “لا يعذر أحد بجهله للقانون”، وكم من حقوق ضاعت بسبب الجهل بالقوانين والإجراءات.

ويمثل الوعي القانوني أحد الروافد المهمة التي تقوي الشخصية الإنسانية، وتجعل منها ذاتاً قادرة على مواجهة معترك الحياة، بغير جهل لما له منها وما عليه فيها، فمعرفة الأفراد لما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات، ووعيهم لحدود مسؤولياتهم الفردية، والعلاقة القانونية بينهم كأفراد، وبينهم وبين الدولة، تساعد على ترسيخ احترام القانون والانصياع لسلطانه، باعتباره الضمانة الرئيسة لحفظ الأمن والحقوق، والأرواح والممتلكات، والأساس في تحقيق التنمية والاستقرار، ولا شك أن احترام القانون وإعلاءه فوق كل اعتبار يساعد في القضاء على الممارسات والسلوكيات السلبية، ويعزز الشعور العام بالعدالة في المجتمع، ويحفظ الأمن المجتمعي الشامل، ويتصدى لأية مظاهر سلوكية لا تعبر عن المظهر الحضاري للدولة.

وحتى زمن ليس ببعيد، كان الوعي القانوني للأفراد، يتكون من خلال المصادر التقليدية للمعرفة، التي يكون الورق مادتها الأساسية، مثل الكتب والرسائل الجامعية، والدوريات وبحوث المؤتمرات، والصحف والمجلات، بالإضافة إلى أهل التخصص مثل أساتذة القانون، ورجال القضاء والمحامين، أما في ظل العصر الرقمي، فقد أصبحت المواقع الإلكترونية، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، هي المصدر الأساسي للمعرفة القانونية بالنسبة للأشخاص الرقميين.

 والواقع أن أغلب المعلومات المنشورة على الكثير من المواقع الإلكترونية غير صحيحة أو غير معروفة المصدر، كما أن بعض الأشخاص الذين يقدمون الاستشارات القانونية الإلكترونية ليس لديهم الخبرة، أو المعرفة الكافية، فيقدمون إلى الأشخاص الرقميين معلومات واستشارات غير صحيحة، تُسبب لهم مشكلات كثيرة، وتُلحق بهم أضراراً كبيرة، هذا فضلاً عن أن بعض أولئك الذين يتبرعون بتقديم استشارات قانونية مجانية، أو ينشرون معلومات قانونية، قد يكون هدفهم الشهرة أو جلب موكلين.

ولا يخفى على أحد، ما يترتب على نشر معلومات قانونية غير صحيحة، أو تقديم استشارات قانونية غير دقيقة، من ضياع للحقوق، واضطراب للمراكز القانونية في المجتمع، فتشيع الفوضى، وتتأثر العدالة، وتتزعزع ثقة الأفراد في القانون، وفي مؤسسات الدولة، وتضطرب العلاقات، ويكون الشك وعدم الثقة هما سيدا الموقف.

ولا يُفهم من ذلك، أننا قصدنا حرمان الأفراد والمجتمع من استغلال هذه التقنيات الحديثة، في تنمية الوعي القانوني وتعزيز الثقافة القانونية، ولكن ما قصدناه أن تتبنى الدولة هذا الأمر، فتوفر عبر مؤسساتها العامة بوابات إلكترونية، تختص بنشر الوعي القانوني، وتقديم الاستشارات القانونية، وفي المقابل يجب على الأشخاص الرقميين، أن يتحروا الدقة في اختيار المواقع الإلكترونية، التي يستقوا منها معلوماتهم القانونية، أو التي يطلبون مشورتها في مشاكلهم القانونية، وأن يكتفوا في ذلك بما توفره الدولة خلال مؤسساتها العامة، والجهات المرخص لها في هذا المجال.

فالدولة ممثلة في الجهاتالقانونية الرسمية، يجب أن تكون صاحبة المبادرة في خلق جيل واعٍ، ومتفاعل يستطيعأداء دوره بفعالية، ويجب على الشخص الرقمي، أن يستشعر جسامة المسؤولية الملقاة علىعاتقه اتجاه نفسه أولاً، واتجاه مجتمعه ثانياً، خاصة وأن القانون من أهم وسائلالضبط الاجتماعي، بل هو الوسيلة الأساسية، التي يعتمد عليها المجتمع المنظّم فيضبط سلوك أفراده، وتبذل دولة الإمارات العربية المتحدة جهوداً كبيرةً في مجال نشرالثقافة القانونية، وتعزيز الوعي القانوني من خلال المواقع الإلكترونية لبعضالهيئات العامة في الدولة، تقديراً لأهمية الوعي القانوني في ترسيخ مفهوم المواطنةالإيجابية، ومواصلة البناء، وتحقيق المزيد من التقدم والرقي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*