العيادات القانونية بين النظرية والتطبيق

مقدمة الكتاب: يذكر أن الجنرال شارل ديجول Charles De Gaulle عندما عاد إلى فرنسا واستلم الحكم بعد الحرب العالميـة الثانيـة سأل مستشاريـه: هل وصـل الفساد إلى التعليم في الجامعات؟ فقيل له: لا؛ فقال: إذاً كل شيئ يمكن إصلاحه.

ونفهم مـن ذلك أن الجامعات تتبوأ مركز الصدارة فـي المجتمـع؛ لأنها الإشعاع لكل مـا هو جديد من الفكر والمعرفة، والمكان الذي تنطلق منه آراء الأساتذة والمفكريـن، والعلماء، وحملة شعلة الحضارة الإنسانيــة وقادتهـا، ورواد الإصـلاح والتطويـر؛ وبـذلك كان لهــا دور متميـز فــي التنميـة الاقتصادية والاجتماعية والتطور العلمي في المجتمع.

وتتمثل رسـالة الجامعــة -كمؤسسة بحثيـة وتعليميـة- فـي إعداد أجيال متميزة من الدارسين، وتزويـدهم بالمعرفة والمهارات العلمية التي تمكنهم من الابتكار والمنافسة، والمشاركة الفعالة في إيجاد حلول جذرية لكل مشكلات المجتمع المحيط بالجامعة…

وقد كانت المجتمعات تنظر إلى الجامعات على أنها مؤسسات تعليمية فقط، مهمتها تزويد الطلبة بقدر معين من المعرفة، ولكن في ضوء الفلسفة المجتمعية والتربوية الحديثة، أصبحت تنظر إليها على أنها مؤسسات اجتماعية وتربوية، تحاول من خلال العملية التعليمية تحقيق هدفين أساسيين، وهما: الإعداد العلمي والمهني للطلبة لمزاولة المهن التخصصية المختلفة في الحياة العملية، وإعداد الطلبة للتفاعل الواسع والصحيح والاستجابة والتوافق مع هذه الحياة العملية، وذلك من خلال التدريب المستمر والمتواصل لمختلف شرائح المجتمع.

وتبعاً لذلك فقد تطورت وظيفة الجامعة؛ لتشمل – بالإضافة إلى إعداد الطلبة للمهن التخصصية – تدريب هؤلاء الطلاب – بعد تخرجهم – على الاتجاهات الحديثة، وآخر التطورات في العالم في مختلف التخصصات، وبذلك ظهر مفهوم التربية المستمرة؛ ليشكل نموذجاً تكاملياً يجمع بين الإعداد والتدريب.

ومما لا شك فيه أن آمال المجتمعات وطموحاتها، وكذلك المشكلات التي تمر بها، تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولما كان لزاماً على الجامعة أن تشعر بطموحات وآمال ومشكلات المجتمع الذي توجد فيه، وأن تواكب التغيرات التي تطرأ على هذه الآمال والطموحات وتلك المشكلات، لتلبي الاحتياجات العلمية والاجتماعية والنظامية للمجتمع، كان من الطبيعي أن تختلف رسالة الجامعة باختلاف الزمان والمكان.

ولما كان التعليم القانوني هو أحد أهم العلوم التي تقوم الجامعة بتدريسها للطلاب الذين يتخصصون في هذا الفرع من فروع العلم، كان لزاماً على القائمين على هذا العلم أن يعملوا- وبصفة مستمرة- على تطوير الدراسة القانونية وتزويد طلاب القانون بالمعرفة العلمية والعملية التي تمكنهم من خدمة المجتمع الذي يعيشون فيه.

ومن يدقق النظر في واقع التعليم القانوني في مصر يجده يعاني من مشكلات متعددة تجعله قليل الجدوى، ولا يلبي الاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، وتقف هذه المشكلات عقبة في تطوير التعليم القانوني في مصر، ونذكر من هذه المشكلات ما يلي:

  • الأعداد الكبيرة من الطلاب؛ حيث تقبل كليات الحقوق أعداداً كبيرة من الطلاب كل عام، وهذه الأعداد الكبيرة تحول دون تطبيق معايير الجودة والاعتماد في العملية التعليمية، كما أنها تتزايد عاماً بعد الآخر لانخفاض تكلفة التعليم في الكليات النظرية في مصر ومنها كليات الحقوق.

  • استخدام الطرق التقليدية في التدريس (أسلوب المحاضرة والتلقين)، مما يجعل الطلاب يركزون على حفظ المقررات الدراسية دون التعمق في مضمونها، ولذلك لا يكون هناك أي اهتمام بالجانب العملي أو التطبيقي في دراسة القانون، الأمر الذي يترتب عليه تخريج دفعات متتالية من الطلاب لا تعلم سوى أقل القليل عن الواقع العملي الذي ستتفاعل معه وتعايشه.

  • عدم ملاءمة المقررات الدراسية التي يتم تدريسها للطلاب لحاجة سوق العمل، وكذلك عدم مواكبة هذه المقررات للتغيرات التي تطرأ على التخصص ذاته في بعض الأحيان.

  • رفض الكثير من الأساتذة في كليات الحقوق في مصر استخدام الأساليب الحديثة في التعليم، وإصرارهم على استخدام الطرق التقليدية، رافضين كل محاولات التطوير والتجديد.

  • رفض إدارة الكلية – في كثير من الأحيان – لنداءات التغيير والتجديد في أسلوب التعليم القانوني، وعدم تحمسها لهذه المبادرات.

  • عدم توافر المقومات الأساسية للعملية التعليمية، أو عدم توافرها بالقدر الكافي، من أساتذة، وقاعات تدريس مجهزة، ووسائل التعلم الحديثة.

  • ضعف المستوى المادي لأعداد كبيرة من الطلاب، مما يجعلهم لا ينتظمون في الدراسة سعياً وراء توفير نفقاتهم الشخصية من خلال العمل أثناء دراستهم.

وتجعل كل هذه المشكلات من خريجي كلية الحقوق منتجاً لا تتوافر فيه الصفات والمؤهلات التي يتطلبها سوق العمل، كما تجعله محتاجاً – فور التحاقه بعمل ما (كالمحاماة مثلاً) – إلى أن يبدأ مرحلة جديدة من التعلم الحقيقي واكتساب المهارات والخبرات العملية التي تتطلبها هذه المهنة، كما لا تغرس هذه الدراسة النظرية البحتة في نفوس الطلاب حب العمل التطوعي، هذا فضلاً عن خسارة المجتمع للدور الحيوي والفعال الذي يؤديه طلاب القانون حال انخراطهم في العمل العام، والمساهمة في احترام سيادة القانون، ودعم الوصول إلى العدالة.

ونتيجة لكل هذه المشكلات التي يعاني منها التعليم القانوني في مصر، ونتيجة للهبوط المستمر في المستوى العلمي والمهني لخريجي كليات الحقوق في مصر، كان لابد من البحث في مسألة تطوير التعليم القانوني في مصر، من خلال تطبيق أساليب تعلم حديثة ومتطورة يمكن من خلالها النهوض بهذا التعليم في مصر، ومن أجل تخريج أجيال قادمة من رجال القانون القادرين على خدمة المجتمع الذي يعيشون فيه، والمؤهلين عملياً للعمل في المجالات المختلفة لتخصصهم.

ويعتبر التعليم القانوني الإكلينيكي Clinical Legal Education (CLE) هو الأسلوب الأمثل في الوقت الحاضر، والذي تطبقه غالبية كليات الحقوق ومدارس القانون على مستوى العالم.

والتعليم القانوني الإكلينيكي هو عملية تعلم تهدف إلى تزويد طلاب القانون بالمعرفة العملية والمهارات والخبرات اللازمة لتقديم الخدمات القانونية من أجل الوصول إلى العدالة الاجتماعية، وهي عملية تعليمية مبنية على تعليم تفاعلي وانعكاسي، وبالتالي فهو أسلوب حركي (ديناميكي)، يحاول المزج بين الدراسة القانونية النظرية والتطبيق العملي لهذه الدراسة النظرية.

ويوصف أيضاً التعليم القانوني الإكلينيكي أيضاً بأنه تعلم تجريبي أو تعلم بالعمل، يكتسب من خلاله الطلاب مهارات عملية، كما يمكنهم أن يقدموا من خلاله خدمات قانونية في بيئة مفعمة بالعدالة الاجتماعية.

ويواجه الطلاب أثناء هذه العملية مواقف حياتية واقعية، ويلعبون دور المحامين في حل المسائل القانونية، وهم يفعلون ذلك من خلال تفاعلهم مع العملاء أو تفاعلهم مع بعضهم البعض من أجل التعرف على القضايا القانونية وحلها، كما أنهم يخضعون في عملهم هذا لمراجعة نقدية من أساتذتهم، أو نظرائهم.

وعلى الرغم من أن مفهوم التعليم القانوني الإكلينيكي قد يختلف من مكان إلى آخر في العالم إلا أن جميع البرامج الإكلينيكية تتألف من ثلاثة عناصر أساسية هي:

  • عنصر التخطيط: حيث يخطط الطلاب ويستعدون للتجارب العملية، وذلك من خلال دراسة وتعلم أصول مهنة المحاماة، من أجل فهم وتحديد الأسلوب الذي سيتم من خلاله حل المشكلة المعروضة، وكذلك من أجل تحديد الموضوعات والآليات التي يجب تطبيقها عند ممارسة مهنة المحاماة، كما يتضمن هذا العنصر أيضاً تطوير قضية مكتوبة لمحاكاة المشكلات الواقعية.

  • عنصر الممارسة: وفيه يختبر الطلاب مهاراتهم في ممارسة مهنة المحاماة (مقابلة – استشارة – تمثيل أمام المحكمة … إلخ)، وذلك من خلال إجراء المقابلات مع الموكلين والاستماع إليهم، ثم صياغة مشكلاتهم صياغة قانونية سليمة، ثم بعد ذلك يقومون بالبحث عن الحل القانوني لهذه المشكلات.

  • عنصر التفكير: حيث يفكر الطلاب ملياً في تجاربهم، ويقيّمون أداءهم، كما تتضمن هذه العملية صياغة الحل القانوني صياغة قانونية سليمة، وتمارين تقييم ذاتية، ومراجعة ونقد وتقييم من قبل المشرف.

ويختلف التعليم القانوني الإكلينيكي عن الأسلوب التقليدي للتعليم القانوني؛ حيث يمكِّنُ التعليم القانوني الإكلينيكي طلاب القانون من القيام بدور نشط في عملية التعلم، ورؤية الكيفية التي يطبق بها القانون في المواقف الحياتية الواقعية، فالتعليم القانوني الإكلينيكي يمد طلاب القانون بالأدوات التي تصنع الأساس لحياتهم المهنية المستقبلية كمحامين، بينما يركِّزُ التعليم القانوني التقليدي على المحتوى النظري؛ حيث يقوم الأستاذ بإلقاء المحاضرات على طلابه حول المبادئ القانونية، وتفسير النصوص القانونية تفسيراً نظرياً دون أي اهتمام بالتطبيق العملي لهذه الدراسة النظرية، وهو الجانب الذي يهتم به التعليم القانوني الإكلينيكي من خلال تزويد طلاب القانون بالمهارات الضرورية للممارسة القانونية، كما أنه يقوم بغرس القيم وحب العمل التطوعي في نفوس الطلاب، مثل واجب المحامين حيال الانخراط في قضايا العدالة الاجتماعية في المجتمع، والاستعداد لتحمل المسئولية المهنية أثناء ممارسة القانون.

والتعليم القانوني الإكلينيكي – باعتباره أسلوباً حديثاً ومتطوراً من أساليب التعليم القانوني – يتم تطبيقه من خلال وسائل وأدوات مختلفة، مثل العيادات القانونية Legal Clinics، والمحاكم الصورية  Moot Courts، وقانون الشارع Street Law .

ويتناول هذا الكتاب العيادات القانونية بوصفها إحدى وسائل التعليم القانوني العيادي؛ حيث تخلو المكتبة العربية تماماً من أي مؤلف يتناول هذا الموضوع باللغة العربية، داعين الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الكتاب كل من يقرأه، وأن يساهم هذا الكتاب في تطوير التعليم القانوني في مصر والعالم العربي.

ولن يقتصر هذا الكتاب على السرد النظري لموضوعات العيادات القانونية، من حيث التعريف بها، وتحديد أهدافها، وذكر أنواعها، وكيفية تأسيسها، وطرق إدارتها وتمويلها، وكيفية دمجها في المنهج الدراسي لكليات الحقوق، وإنما يعرض أيضاً تجربة عملية للعيادات القانونية في مصر؛ حيث يتناول هذا الكتاب لتجربة العيادة القانونية بكلية الحقوق بجامعة أسيوط خلال عامها الأول عام (2011)؛ حتى تكتمل الفائدة من خلال ذكر الجوانب النظرية للعيادات القانونية وعرض لتجربة عملية لعيادة قانونية مارست عملها بالفعل.

خطة الدراسة:

الفصل الأول: التعريف بالعيادات القانونية.

الفصل الثاني: أهداف العيادات القانونية.

الفصل الثالث: أنواع العيادات القانونية.

الفصل الرابع: نشأة العيادات القانونية وتطورها التاريخي.

الفصل الخامس: تأسيس العيادات القانونية.

الفصل السادس: إدارة العيادات القانونية.

الفصل السابع: تمويل العيادات القانونية.

الفصل الثامن: دمج العيادات القانونية في المنهج الدراسي بكليات الحقوق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*